يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

176

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

4 - وهي ضامرة مقوّسة الظهور من الجوع شيب الوجوه كأنها السهام الصغيرة التي يقلبها بكفّيه من يقسم لحم الجذور على ذوي الأنصبة في الميسر . 5 - أو كأنها النحل وقد طار من قفيره ، لأن مشتار العسل حرّكه بالعيدان التي يطرد بها النحل ويشتار العسل . 6 - وهذه الذئاب واسعة الشدوق كالحة الوجوه شقوقها كشقوق العصي . 7 - فلما رأى الذهب أنها أجابت عواءه ضجّ وضجّت كأنها وإياه نساء نائحات لفقدهنّ أولادهنّ . 8 - ثم رأى أن لا فائدة في العواء والضجيج فأغضى وأغضت وتصبر وتصبرت وعزّى بعضها بعضا لأنها متساوية في الفاقة . 9 - وشكا بعضها إلى بعض ؛ ولمّا رأت أن لا نفع للشكوى نكصت على أعقابها ولسان حالها يقول : الصبر أولى إذا لم تنفع الشكوى . وقد وصف كثير من الكتّاب ذئاب سيبريا وتجمّعها وتفرّقها إذا تراكمت الثلوج وعضّها الجوع ، ولكننا لم نر وصفا أبلغ من هذا الوصف ؛ مع ضيق مجال الشعر واتّساع مجال النثر . لقيط بن يعمر هو شاعر جاهلي قديم مقلّ ، ذكر ابن الشجري أنه كان كاتبا في ديوان كسرى ، ولم يكن بيد الناس من شعره في زمن صاحب الأغاني إلا قصيدة كتب بها إلى قومه يحذّرهم ما اعتزمه كسرى من غزوهم وقتالهم ، وقطع أخرى لطاف متفرّقة ، فإذا صحت رواية ابن الشجري - وفي ما قاله أبو الفرج ما يقوّيها وإن لم يصرّح وكان لقيط قد خدم الأكاسرة وكتب لهم - فهو أقدم من بلغنا خبره ممّن أتقن الفارسية من العرب وأجدرهم بأن يتأثّر بها شعره . وليس من المستطاع اليوم وقد ضاع شعر لقيط تعيين ما كان لعلمه بالفارسية واتصاله بخدمة الملوك من أثر فيه ، ولكن القصيدة التي بقيت له وانتهت إلينا تتميز من شعر ذلك العهد بأنها نسق واحد لا خلّة فيه ولا وثبة ، وأنها لا تبدأ معنى حتى تتمّه وتستوفيه ، ولا تنتقل عنه إلى آخر حتى يكون هو الذي أدّى إليه واقتضاه . ولعلّ خير ما يدلّ على مذهب الشاعر ويكشف عن طريقته إثبات أبيات منها ؛ تجمع إلى وضوح الدلالة كثيرا من الفائدة .